ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
236
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
الشجر ومما يعرشون وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار ( 1 ) واحترازها من النجاسات والأقذار وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبر منها شخا وهو أميرها ثم ما سخر الله له أميرها من العدل والإنصاف بينها حتى أنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة لقضيت منها العجب إن كنت بصيرا في نفسك فارغا من هم بطنك وفرجك وشهوات نفسك في معاداة أقرانك وموالاة إخوانك ثم دع عنك جملة ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس فلا يبنى بيتها مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا إلا مسدسا لخاصية في شكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن إدراكها وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المسدس وما يقرب منها فإن المربع يخرج منها زوايا ضائعة وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة فإن الأشكال المستديرة إذا اجتمعت يجتمع متراحية ( 2 ) ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب من الاحتواء في المستدير ثم تترص ( 3 ) الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس وهذه خاصية هذا الشكل فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ما هو محتاج إليه ليتهنأ عيشه فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه . فاعتبر بهذه اللمعة اليسيرة من محقرات الحيوانات ودع عنك عجائب ملكوت السماوات والأرض فإن القدر الذي بلغه فهمنا القاصر منه ينقضي الأعمار دون إيضاحه
--> ( 1 ) الأنوار جمع النور بفتح النون وهو الزهر وبالفارسية « شكوفه » . ( 2 ) في بعض النسخ [ متراخية ] أي بسهولة أما بالحاء المهملة والياء المثناة كما أثبتناه فليكن من رحا يرحوا إذا استدار . ( 3 ) في بعض النسخ [ تتراص ] بتشديد الصاد من باب التفاعل ولعله الأصح والرص كالنصر وزنا وصرفا بمعنى الضم وتراص القوم في الصف تلاصقوا وتضاموا وترصص وارتص تلاصق . أما تترص كما في المتن فليس من الرص بل من التراصه يقال ترص تراصة من باب شرف إذا أحكم وقوم فهو تريص أي محكم شديد .